مجمع البحوث الاسلامية
182
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وفي ( تنبّئهم ) يعود إلى المؤمنين ، وأنّ الضّمير في ( قلوبهم ) يعود إلى المنافقين . ويلاحظ أوّلا : أنّ المؤمنين لم يرد لهم ذكر في الآية ، وأنّ المذكورين فيها صراحة هم المنافقون ، كما أنّ الآية الّتي قبلها تحدّثت عن المنافقين ، دون غيرهم . ثانيا : يلزم من هذا التّفسير التّفكيك بين الضّمائر ، مع عدم الدّليل على ذلك . ومن أجل هذا نرجّح الرّأي القائل بأنّ الضّمائر كلّها تعود إلى المنافقين ، وأنّ « على » في ( عليهم ) بمعنى « في » كما هي في قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة : 102 ، أي في ملكه ، ومثلها أيضا فيما يقال : كان هذا على عهد مضى ؛ وعليه يكون المعنى يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ - تهكّما - أن تنزل سورة تكشف عمّا يضمرون من العداء للإسلام والمسلمين . فتوعّدهم اللّه سبحانه بأنّ السّورة الّتي سخروا من نزولها نازلة لا محالة ، وأنّها تقابلهم وجها لوجه ، فيعتذرون حيث لا تنفعهم المعاذير . ( 4 : 64 ) الطّباطبائيّ : كان المنافقون يشاهدون أنّ جلّ ما يستسرّون به من شؤون النّفاق ، ويناجي به بعضهم بعضا من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللّمز والاستهزاء ، أو جميع ذلك لا يخفى على الرّسول ، ويتلى على النّاس في آيات من القرآن يذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه من وحي اللّه ، ولا محالة كانوا لا يؤمنون بأنّه وحي نزل به الرّوح الأمين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ويقدّرون أنّ ذلك ممّا يتجسّسه المؤمنون فيخبرون به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيخرجه لهم في صورة كتاب سماويّ نازل عليهم ، وهم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم وخروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة ، لأنّ السّلطنة والظّهور كانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليهم يجري فيهم ما يأمر به ويحكم عليه . فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر ، وهمّوا به من تقليب الأمور على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقصده بما يبطل به نجاح دعوته وتمام كلمته ، فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يبلّغهم أنّ اللّه عالم بما في صدورهم ، مخرج ما يحذرون خروجه وظهوره بنزول سورة من عنده ، أي يخبرهم بأنّ اللّه منزل سورة هذا نعتها . وبهذا يستنير معنى الآية ، فقوله : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ووجه الكلام إليه ، وهو يعلم بتعليم اللّه أنّ هذا الكلام الّذي يتلوه على النّاس كلام إلهيّ وقرآن منزل من عنده ، فيصف سبحانه الكلام الّذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو أنّه سورة منزلة من اللّه على النّاس ومنهم المنافقون ، لا على ما يراه المنافقون أنّه كلام بشريّ يدّعي كونه كلام اللّه . فهم كانوا يحذرون أن يتلو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليهم وعلى النّاس كلاما هذا نعته الواقعيّ ، وهو أنّه سورة منزّلة عليهم بما أنّها متوجّهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ، ينبؤهم هذه السّورة النّازلة بما في قلوبهم ، فيظهر على النّاس ويفشو بينهم ما كانوا يسرّونه من كفرهم وسوء نيّاتهم ، وهذا الظّهور في الحقيقة هو الّذي يحذرونه من نزول السّورة . [ إلى أن قال : ] فصدر الآية وإن كان يذكر أنّهم يحذرون تنزيل سورة كذا وكذا ، لكنّهم إنّما كانوا يحذرونها لما فيها من